مسلم وأفتخر




مسلم وأفتخر

المنتدى الإسلامي مسلم وأفتخر يرحب بكم أعضاء وزوارا


    التدين المغشوش.. الواقع والمأمول

    شاطر

    فارس الاقصى
    :: عضو فضي ::
    :: عضو فضي ::

    عدد المساهمات : 72
    تاريخ التسجيل : 12/04/2012

    default التدين المغشوش.. الواقع والمأمول

    مُساهمة من طرف فارس الاقصى في نوفمبر 13th 2012, 23:08

    التدين المغشوش.. الواقع والمأمول
    عثمان إسماعيل



    تكمن
    ظاهرة التدين المغشوش في ذلك الانحراف السلوكي (الديني) المفاجئ أو
    المقصود للنفس البشرية المسلمة، أو أنها محاولة من أعداء الإسلام الذين
    يتربصون به وبأهله الدوائر لطمس فطرة الله في تلك النفس ومحو معالمها
    الحقيقية كي تنال منها تشويهًا وتدميرًا، محققة أهدافها بناءً على ما تدعو
    إليه مذاهبهم القبيحة، والتي تسعى جاهدةً لمحو تلك الفطرة التي قال عنها
    سبحانه وتعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ
    الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ
    الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (الروم:
    30).

    ومن
    هنا يمكن القول بأن هذه الظاهرة ما هي إلا ظلم النفس لذاتها خَلْقًا
    وفطرةً وتكوينًا وهدفًا نرى ذلك في قوله تعالى {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ
    وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (آل عمران: 117)، ولما كانت النفس
    البشرية التي أراد لها الله تعمير هذا الكون أساسها سمة العقل وصفاء القلب
    وشفافية الروح وإرهاف الحس والسبح في عالم الألوهية تعبدًا وتدبرًا
    وتأملًا، تلك النفس المطمئنة التي تسمو إلى أرقى درجات الإيمان قولًا
    وعملًا، فكان من الطبيعي أيضًاأن تتوقف هوية تلك النفس على درجة الإيمان
    ومعيار التمسك به، ومن هنا تباينت أنماط النفس، فبقدر ما يستطيع الإنسان أن
    ينتصر على دنياه ويكبح جماح شهواته ويسمو بنفسه الى عالم الرقي الروحي
    نقاءًا وصلاحًا يستطيع أيضًا بضعف إيمانه وعزيمته أن يهبط الى عالم الحضيض
    وحقارة الذات وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ذلك في قوله {وَنَفْسٍ وَمَا
    سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن
    زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}(الشمس: 7)، وبذلك فقد وضعت سمة
    الخيار والاختيار أمام تلك النفس البشرية، فإما جمال الفضيلة وإما قبح
    الرذيلة وما يقاوم ذلك التيار سوى التمسك بقوة الإيمان وإما الاستسلام
    بالضعف وزعزعة العقيدة.

    وإذا
    كانت ظاهرة (التدين المغشوش) لها جذورها التاريخية تمثلت في صنوفه
    المختلفة من (تدين مموه) قائم على الادعاء أو رؤى التفلسف والتكلف
    والتصنع، وهو في حد ذاته رد فعل لخبايا وعوامل نفسية تتوهم أنها قادرة على
    تغيير الحقيقة التي أراد لها الله تعالى أن تكون، وإزاء ذلك ينبغي لنا أن
    ننظر الى تلك الظاهرة نظرة عصرية ورؤية واقعية تحت تساؤلات عدة تعطي صورة
    متكاملة تعتمد على جدال واقعي ملموس يقودنا إلى جلاء الحقيقة ومعالجة ما
    حولها.

    لذا
    تبدو بواعث ظاهرة التدين المغشوش وعوامل انتشارها في محاور عدة تتمثل في
    ذات الإنسان والأسرة والمجتمع والمؤسسات الدينية والتربوية، ومن الطبيعي
    أن تكون النفس البشرية ضحية تلك المنظومة بما تملك من سلبيات أو تجاهل
    قاتل، وفشل ذريع في مراعاة تلك النفس بناءً وتربية، وتبدو أسباب انتشار
    تلك الظاهرة فيما يلي:

    <
    ترويج أعداء الإسلام لأفكار مقصودة ومخططة قد تصل إلى (المذاهب) مستخدمين
    أدق الوسائل وأكثرها تأثيرًا وفعالية على فئات عمرية معينة قد تستجيب-من
    وجهة نظرهم- لما يروجون له منتظرين بشغف نتائجه وآثاره.

    <
    الغفلة التي تعيشها الأسرة وتجاهلها لثوابت ومبادئ الإسلام الأساسية، وعدم
    إعطائها مساحة أكبر لاستيعاب الفكر الديني الصحيح لأبنائها، والطامة
    الكبرى تبدو في ضعف الوازع الديني في الوالدين، الأمر الذي يدعو إلى
    التساؤل.. كيف يستقيم الظل والعود أعوج...؟! مما يضع الضحية بين شقي الرحى
    وبراثن الفتك حيث يزج بها إلى ضيق الأفق الديني وعالم التشويش الفكري.

    <
    اتساع دائرة مجال الفتوى وكثرة الفتاوى وانتشارها وإعطاء الفرصة لمن
    يجهرون بها دون معايير أو مقاييس أو تدخل أو مراقبة مما يؤدي إلى خلط
    واختلاط الأمور بعضها ببعض مما يؤدي إلى الفوضى الفكرية والمتاهات الفقهية
    وذلك لعدم وجود مرجعية ثابتة محددة تسأل عما تقول وتحاسب عما تفعل بعيدًا
    عن قبح التضليل والعبث بعقول العامة، وتضعها في مراحل التنوير الفكري
    واستيعاب ثوابت الدين ومبادئه.

    <
    محاولات اضطراب وتقليص ترسيخ الفكر الديني الصحيح والإخفاق في المحافظة
    على تجديده من حين إلى آخر في مؤسسات الدولة التربوية، وتهميش هوية
    التربية العقائدية وأصول التدين الحقيقي وتقليص أسس البناء المنهجي في
    تكوين الشخصية الإسلامية الحقة مما يعرضها لعواقب الجمود والاستسلام
    لأفكار ومذاهب الآخرين لما لا؟ وقد فقدت سمة التفكير وروح التدبر وصفة
    التأمل.

    <
    ضعف الخطاب الديني مضمونًا وتوجيهًا وأهدافًا ووسائل مما يفقد معه القدرة
    على بناء الذات ومواجهة الآخر حجة واقناعًا، على الجانب الآخر نرى أن
    الخطاب الديني يستلزم اللين والسماحة ومبادلة الحجة بالحجة في رفق ومودة
    وهذا مما حذر الله تعالى رسوله الكريم في قوله {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ
    اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا
    مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي
    الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
    يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159)، وفي موضع آخر نقرأ قوله تعالى
    {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ
    وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن
    ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل: 125).

    <
    تجاهل صفة التثبت والتحقق في اختيار الأصدقاء الذين ربما يكونون في
    حقيقتهم رسل دمار فكري وضياع ديني وهدم أخلاقي وطريق منظم ومنهج مخطط
    لتشويش وتضليل السمة العقلية والذهنية ونسينا أن نضع نصب أعيننا حديث رسول
    الله " صلى الله عليه وسلم" «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من
    يخالل».

    <
    الولوج إلى عالم التزمت القاتل حيال تطبيق تعاليم الإسلام والحرص بشدة على
    ممارستها بعيدًا عن سماحة الإسلام ولينه وعفته ومروءته وتكيفه مع طبيعة
    النفس البشرية مما يدفع ضعاف الإيمان أن يتصوروا أن الإسلام يتعايش بصفة
    العدوانية والبطش بمن حوله، ومن هنا قد تستسلم النفس البشرية إلى عالم
    النفور والهروب ومعها لا يستقر الفكر الديني الصحيح ولا يهدأ ولا يجد من
    يرشده ويساعده ويأخذ بيده إرشادًا وإنقاذًا لم لا وقد قال سبحانه وتعالى
    لرسوله الكريم {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} (ق: 45) وفي موضع آخر
    {لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ}(الغاشية: 22).

    <
    التعنت والإصرار على ممارسة سطحية التفكير والفهم الذي لا يتعدى قشور
    الأشياء والبعد عن المغامرة في تحمل العناء للفهم الصحيح للدين، والتسرع
    في إصدار الأحكام دون مرجعية فقهية تكون ثمار قراءات واجتهادات متعددة
    لمصادر دينية موثقة متباينة يكون مردودها نقاء الفكر وصقل العقل وصواب
    الحق وسداد الرأي.

    <
    وإذا كان ما سبق يمثل بعضًا من أسباب وهوية التدين المغشوش فمن الواجب أن
    نرسم صورة واقعية للنفس البشرية التي هي ضحية تلك الظاهرة حيث...

    <
    يغلب على تلك النفس الترنح في مرحلة اللاوعي مما قد يصل إلى درجة اختلال
    الشخصية وتعيش في عوالم العناد والإصرار على ثبات الصفة والقناعة بما
    عليها من حال يصعب فهمه، مع ضبابية الفكر وغيبوبة العقل، وهذا ما ينطبق
    عليه قوله تعالى {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا
    يَكْسِبُونَ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}
    (المطففين: 14-15).

    <
    وهذا الإصرار على تلك السطحية والقناعة بعالم الوهم ما هو إلا محاولة
    لإقناع الذات وراحة النفس للتحايل والبحث عن مخرج يجده مسوغًا ليبرر ما
    بداخله من قبح العناد وزيف الحقيقة ووهم التحدي بعد أن سخط الله عليها
    فقال في شأنها {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ
    وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (البقرة:7).

    <
    وقد تأخذ ظاهرة التدين المغشوش سمات عدة منها كثرة الحلف الكاذب والتظاهر
    بين الناس تكلفًا وتصنعًا في ممارسة الدين والتدين خضوعًا لمؤثرات نفسية
    تتمثل في العناء-الجحود-النفاق- الشعور بالنقص-الانقيادية- التقليد
    الأعمى-الفراغ الديني.

    على
    أن تلك المؤثرات النفسية كفيلة بأن تجعل من النفس البشرية ضحية لا تفيق من
    غيبوبتها وتكون أسيرة مؤثرات متباينة تتشبث بتلابيب من يستسلم لها وتلقي
    به في مزالق الحمق وعوالم التهميش البشري.

    ويمكن
    القول بأن تلك الرذيلة تندرج تحت ما يطلق عليه «التظاهر بغير ما في
    الضمير» وهي رذيلة النفاق، وهي في ظاهر المصطلح ضرب من أقبح ضروب النفاق
    المدمر لعلاقة الإنسان بذاته وبربه وبالآخرين أما في باطنه فهو السخط
    الإلهي على تلك النفس التي أبت وعاندت وجحدت فطرة الله التي فطر الناس
    عليها وخالفت طبيعة البشر فكان هذا عقابها.

    وإذا
    كانت ظاهرة التدين المغشوش تعتمد على مردود ثقافة الذات الخاوية دون إقناع
    وثقافة الآخر الحائرة دون تثبت أو تحقق مما ينتج عنها الصراع الثقافي
    والنفسي، فينبغي مواجهة صنوف الصراعات بأن نقلب لتلك الظاهرة الوجه الآخر
    ونضع نصب أعيننا حديث رسول الله " صلى الله عليه وسلم" «تركت فيكم ما إن
    تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسنتي» وهذا ما نقرأه في كتاب
    الله تعالى {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ
    يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (القصص: 56).

    ومن
    الحمق أن تستهوي النفس البشرية تلك الرذيلة تحت أية مؤثرات وأية ضغوط أو
    قناعات واهية لتلقي بها إلى قاع الدمار النفسي والمادي متجاهلة أساليب
    النجاة واحترام الفطرة والنفس البشرية التي أكرمها الله وكرمها عن باقي
    المخلوقات بالسمة الذهنية والتي لا تجلب لمن يحترمها ويصونها سوى كل هيبة
    ووقار واحترام.

    ولنا
    أن ندرك أن التدين المغشوش أخطر على الإسلام من الكفر ذاته وذلك لأن الكفر
    عرف طريقه ونهايته وكيفية تجنبه ومحاربته ولكن التدين المغشوش أساسه
    الغموض والحيرة متشعب الأخطار وعر الدروب، لا يرحم مهما كان هدفه، وأيًّا
    كان مقصده، له أذنابه وذيوله التي لا تفتأ تنهش فيمن تواجهه، ولكن التمسك
    بالله وقرآنه وبالرسول " صلى الله عليه وسلم" وسنته الشريفة لهو الطريق
    الوحيد الأصلح والأمثل وأن تتعايش النفس البشرية المسلمة مع عقيدتها قولًا
    وعملًا عندئذ ندرك قوله تعالى {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ
    وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد:7) فالنصر ليس مقرونًا بالجهاد فقط ولكن
    انتصار النفس عندما تصلح من ذاتها فيخلص لها الله تعالى تقويمًا
    وتقييمًا، ورضًا واطمئنانًا ويبعدها عما تواجهه صونًا وحفظًا ووقايةً
    وحمايةً.

    مما
    سبق يمكن القول بأن التدين الحقيقي هو «الحياة» لأنه جوهرها وترجمتها إلى
    قيم وسلوك وضوابط هذا هو التكامل في مفهوم الدين، المفهوم الشامل الذي
    يؤكد أن الدين الحياة فإذا ما تحقق مضمون هذا المفهوم صار تدينًا حقيقيًا
    يعتمد على منظومة من القيم الراقية من خلال علاقة الإنسان بذاته وبربه
    وبمن حوله، عندها تستقيم النفس ويطمئن القلب ويصفو الضمير وتسمو الذات فوق
    شهوات النفس وحقارة الدنيا لتجد هويتها كما أراد لها خالقها سبحانه
    وتعالى.

      الوقت/التاريخ الآن هو يونيو 23rd 2018, 16:38