مسلم وأفتخر


معركة أحد,,هل هي هزيمة أم نصر مؤزر للمسلمين؟ 403042602

مسلم وأفتخر

المنتدى الإسلامي مسلم وأفتخر يرحب بكم أعضاء وزوارا


    معركة أحد,,هل هي هزيمة أم نصر مؤزر للمسلمين؟

    مسلمة وأفتخر
    مسلمة وأفتخر
    :: المديره العامّه ::
    :: المديره  العامّه ::

    انثى عدد المساهمات : 1110
    تاريخ التسجيل : 31/01/2012
    العمر : 25
    الموقعhttp://muslim.forumalgerie.net
    تعاليق :


    (¯`•.¸¸.• أنا مسلم•.¸¸.•´¯)





    default معركة أحد,,هل هي هزيمة أم نصر مؤزر للمسلمين؟

    مُساهمة من طرف مسلمة وأفتخر في أكتوبر 25th 2012, 08:10

    أخي القارئ الكريم...

    لا بد أن طرقت مسامعك أحداث تلك الواقعة الشهيرة (معركة أحد) التي خاضها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مع صحابته الكرام ضد جيش المشركين.

    ولا شك أن الغيرة والحزن قد ملئا قلبك عندما علمت أن النصر فيها كان لصالح جيش المشركين (كما نقل وقيل)!

    فهل حقاً كانت وقعة أحد للمسلمين هزيمةً ساحقة وانكساراً!!

    أم كانت نصراً مؤزّراً ومجداً مظفَّراً؟
    ------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

    الجواب:

    القيم والمقاييس اختلفت، فانطمست الحقائق بأنوارها، والجور ساد الأرض وأرجائها.

    موجات من الفجور والانحلال اجتاحتها، وسرت في الكون غاشية من جنون الشهوات الدنيئة، والظلام.

    فالفتن على قدم وساق، والبشرية على حافة الهاوية والدمار، تترقب أسوأ المصائر والعواقب النووية المرعبة.

    ولكن تأبى الرحمة الإلهية أن تترك الإنسان يتخبّط تخبُّطاً عشواء، فبعثت الرحمة المهداة منه للعالمين، دلالة الهدى ودين الحق في زمن طغت فيه الجاهلية والباطل على كل شيء، فالحياة بالرذائل والجرائم تغص، والأرض بالمطامع والمظالم مكتظة، والعقول بداء الوهم والجمود مصابة، رغم عن أنه كان قد بعث المنقذ المنتظر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يُبطل العقائد الوثنية ويدعو إلى الصلاح والإصلاح يصدع بالحق طغاة الباطل مبيِّناً لعبدة الأصنام وسدنة الجاهلية: سفه عقولهم وجهل نفوسهم وفقدانهم لوجودهم.

    ولكن قريشاً "طغاة الجاهلية" أعلنوها حرباً ضروساً شعواء على الإسلام وداعيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه الغرِّ الميامين.

    قام صراع مرير بين قوم ملأت قلوبهم حميةُ الجاهلية يدعون أبناء قومهم ليخرجوهم من النور إلى الظلمات، وقوم ملأ قلوبهم الإيمان بالله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم يدعون أهليهم ليخرجوهم من الظلمات إلى النور، فاستطاعوا بمعية الرسول صلى الله عليه وسلم وبصبرهم وجهادهم وتضحيتهم وفدائهم بصدق العزيمة وقوة الإخلاص والثقة بالله أن يحطِّموا صروح الجاهلية ودعاتها، ويصرعوا طغاة الباطل في كل موقعة ومعركة.

    ومن ثم أقضُّوا مضاجع الكفر في العالم بأسره، بعد أن أسسوا كيان الأمة الإسلامية الرحيمة، وحملوا رسالة السماء إلى عالمٍ قد ماج بالكفر والضلالة ونُشرت في ربوع الأرض كلمة (اللّه) علا في آفاقها منهج الإله الكامل العادل لكافة الأمم بسائر ألوانها فكان لا فَضْلَ لأبيض على أسود ولا لعربي على أعجمي إلا بالاجتهاد والتقوى وإنّ أكرمهم عند الله أتقاهم.

    نعم لقد كانت فتح الفتوح تلك غزوة بدرٍ الكبرى يوم الفرقان الذي أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله وأظهر فيه سفاهة الشرك وحزبه، كان هذا مع قلة المسلمين يومئذٍ، ليس معهم من العُدد ما يحتاجون إليه، وقريش العدو الأكبر كانت على فُرسٍ مطهمة غارقة في سوابغ الحديد والعدة الكاملة، والعدد المضاعف فأعزَّ الله رسوله وأظهر دينه ورفع شأن النبي وصحبه وأخزى قريش والشيطان وحزبه، رغم أن المؤمنين لم يكونوا يتوقَّعون لقاء جيشٍ مقاتلٍ لا يدرى أمد وزمن حربه كم يطول، لقاء جيشٍ مشهور بالسطوة والبأس وقوة الشكيمة وتمام الهمة والعزيمة وهم أقلاّء ضعفاء فما كانت الأنصار أهل حرب بل أهل زراعة وهنا جاء تأييد الله للمؤمنين بالنصر لهم يوم بدر فأغاثهم بثلاثة آلاف من الملائكة مؤيِّدون لهم ليقوِّي قلوبهم بهم ويثبّت الأقدام.

    والآن هيا بنا إلى يوم أحد والذي جهل حقيقته الكثير:

    بعد أن قُتلَ من صناديد وأشراف المشركين يوم بدر، لم يهدأ لقريش بال، وليس إلى نسيانهم من سبيل، ألا وهم أشراف مكة وساداتها ذووا السيادة من كبارها، فعزمت قريش على الأخذ بالثأر وكشف العار من المسلمين، فأعدّوا لهذه المعركة عدَّةً لم تُعرف في تاريخ حروبها من قبل، ليستأصلوا شأفة الإسلام وأهله، ويأبى الله.

    فالنبي صاحب دراية بالحرب وأصوله، يحسب لكل أمر عدته وجليل شأنه قبل الخروج إلى هذه الغزوة.

    رأى النبي عليه السلام أن يتحصنوا بالمدينة وأن يدعوا قريشاً خارجها فإذا حاولوا اقتحامها كان الأنصار أهلُها فهم أقدر على دفعهم والتغلّب عليهم.

    شاور صلى الله عليه وسلم أصحابه بالأمر وترك لهم المشورة كيف يلقوْن عدوَّهم، فاختلف الناس بالرأي في الخروج لملاقاة العدو أو التحصّن بالمدينة. قال تعالى في سورة آل عمران (122): {إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، فلقد همُّوا أن يفشلوا ويضيع مسعاهم وأن يتراجعوا، ولكن المؤمنين التجئوا إلى الله فثبّتهم وولاهم وسيّرهم إلى الأفضل والأحسن.

    فأما من رأى بالتحصّن بالمدينة كعبد الله بن أبي سلول قال: (لقد كنا يا رسول الله نقاتل فيها ونجعل النساء والأطفال "قبل الإسلام" في هذه الصياصي، ونجعل معهم الحجارة ونشبِّك المدينة بالبنيان فتكون كالحصن من كل ناحية، فإذا أقبل العدو رَمته النسوة والأطفال بالحجارة وقاتلناه بأسيافنا في السِّكك "الطرق الضيقة المنسدّة" إن مدينتنا يا رسول الله عذراء، ما فُضَّت علينا قط، وما دخل علينا عدو فيها إلا أصبناه وما خرجنا إلى عدو قط منها إلا أصاب منَّا، فدعهم يا رسول الله فإني ورثت هذا الرأي عن أكابر قومي وأهل الرأي منهم).

    كان هذا الكلام هو رأي الأكابر من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار كما كان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم بادئ ذي بدء.

    أما الرأي بالخروج من المدينة للقاء العدو فهاك هو: كان الفتيان ذووا حميِّة إذ لم يشهدوا بدراً، ورجال شهدوها وأمتعهم الله بالنصر فيها وملأ الإيمان قلوبهم فرأيهم كان أنه ليس لقوة تغالبهم أن تتغلّب عليهم، أحبُّوا الخروج إلى العدو وملاقاته حيث نزل، مخافة أن يظن أنهم كرهوا الخروج وتحصّنوا بالمدينة جبناً، وخشية أن تقول قريش حصرنا محمداً في صياصي يثرب وآطامها، فتكون هذه مدعاةً للاستهزاء فقالوا هاهم جاءونا وقد قادوا الخيول وامتطوا الإبل حتى نزلوا بساحتنا، أفيحسبوننا في بيوتنا وصياصينا ثم يرجعون وافرين لم يكلموا! لئن فعلنا لازدادوا جرأة ولشنوا الغارات علينا وأصابوا من أطرافنا ووضعوا العيون والأرصاد على مدينتنا، ثم لقطعوا الطريق علينا، وهكذا وبالشورى تعاقب الدعاة إلى الخروج يذكرون جميعهم أنهم إذا أظفرهم الله بعدوهم فذلك ما أرادوا، وذلك ما وعد الله ورسوله بالحق، وإن هم استشهدوا كانت لهم الجنة.

    فلما ظهرت الكثرة واضحة في جانب الداعين للقاء العدو والخروج لملاقاته، دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته فلبس درعيْه وتقلَّد سيفه، والناس أثناء غيبته هذه يتحاورون فقال بعض الذين أشاروا بالتحصن بالمدينة للذين أرادوا الخروج منها: لقد رأيتم أن رسول الله يرى التحصّن بالمدينة فقلتم ما قلتم! واستكرهتموه على الخروج وهو له كاره فرُدُّوا الأمر إليه، فما أمَركم فافعلوا وما رأيتم له فيه هدىً أو رأياً فأطيعوه.

    وهكذا ظن الداعون للخروج أنهم خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم لابساً درعيه متقلداً سيفه، أقبل عليه الذين كانوا يرون الخروج فقالوا: (ما كان لنا يا رسول الله أن نخالفك فاصنع ما بدا لك، وما كان لنا أن نستكرهك والأمر إلى الله ثم إليك). فقال صلى الله عليه وسلم: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته "أي أداة الحرب من سيف ودرع وترس ورمح" أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه. انظروا ما آمركم به فاتبعوه والنصر لكم ما صبرتم».

    وقد ذكّرهم النبي صلى الله عليه وسلم بغزوة بدر وكيف نصرهم الله وهم قليل، وكيف أيّدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين وذلك بقوله تعالى في سورة آل عمران (126): {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ}، ثم انتقل الحديث إلى معركة أحد فقال صلى الله عليه وسلم بما أمره تعالى: {بَلَى إِن تَصْبِرُواْ}: الآن عن شهوات الدنيا بأن: {وَتَتَّقُواْ}: انظروا بنور الله وتعرفوا الطريق. {وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ}: ضربهم معروف على أعدائكم، فوق الأعناق وعلى كل بنان. {وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}.

    إذ الجنة تحت ظلال السيوف والطرب الحقيقي والهيام العلوي برب العزة والجلال ساعتها، إذ يغدق تعالى على الصحابة الكرام من عظيم عطاءاته وجميل تجلياته القلبية ما يثبّتهم وينصرهم، وكيف لا وقد ضحّوا بأنفسهم في سبيله، في سبيل إنقاذ عباده الكافرين لقطع شوكتهم أو كبتهم أو تقييدهم عن شرورهم فينقلبوا الظلاّم من حروبهم خائبين عن مسعاهم.

    وسار المسلمون مع الصبح حتى بلغوا أُحداً، فاجتازوا مسالكه وجعلوه إلى ظهورهم وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يضع كلاًّ من أصحابه في صفوف وتنظيم لقوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ}: يوم أحد. {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: فرسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب معرفة بالحرب والمؤمن بكل مسألة رأس، فالصحابة الكرام دوّخوا العالم بخططهم العسكرية وعبقريتهم الحربية فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائد مسيرتهم يعلّمهم فنون وأساليب وتكتيك القتال. {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ}: وقد وضع منهم خمسين من الرماة على شُعب في الجبل وقال لهم صلى الله عليه وسلم: «احموا لنا ظهورنا فإنا نخاف أن يجيئونا من ورائنا والزموا مكانكم لا تبرحوا منه وإن رأيتمونا نهزمهم، حتى ندخل عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم وإن رأيتمونا نُقْتّل فلا تعينونا ولا تدافعوا عنَّا، وإنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنبل فإن الخيل لا تقدم على النبل».

    ثم نهى صلى الله عليه وسلم غير الرماة أن يقاتل، حتى يأمر عليه الصلاة والسلام بالقتال.

    وكانت الصاعقة الكبرى ببدء المعركة على قريش وكان سيلاً عرمرماً يكتسح كياناً من القش أو دون ذلك، فكان النصر حليف المسلمين بتأييدٍ من الله لهم بإرسال ملائكة تضرب الأعناق لمن انتهى أجله، وتقطع كل بنانٍ لمن له في العمر بقية.

    قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ}: تحسُّونهم بإذنه حسّاً تستأصلونهم كما يحسُّ الصقيع الزرع فيُبيده، والجرادُ الأرضَ فلا يُبقي منها أخضر ذي حياة، نعم لقد أزالوهم من عسكرهم كما يُزال الغبار بالمحَسَّة، وصيحة القتال تتعالى (أَمِتْ، أَمِتْ). فكان النصر بإذن الله حليفهم، ولا تكافؤ بالقوى في العَدد والعُدد ولكن القوة الكبرى تكمن في الثقة بالله تعالى ومن الله والإيمان برسوله، فتمزقت قريش أيُّما تمزُّق وتطاير القوم كهشيم محتظر، وتبع المسلمون عدَّوهم يضعون السلاح فيه حيث شاءوا حتى بَعُد عن معسكره، فجعل المسلمون ينهبون الغنيمة وصرفهم ذلك عن اتباع عدِّوهم ابتغاء عرض الدنيا.

    قال تعالى يذِّكرهم بذلك: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ}: تغيَّرت نيتكم كانت لكم نية عالية فتحولتم عنها، تحوَّلتم عن طلبكم لرضاء الله، إذ صارت غايتكم المال. فالجهاد لفعل المعروف والإحسان، لإنقاذ الناس لا لتهلك أخاك الإنسان. {وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ}: أناس قالوا نمكث في الموقع الذي عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأناس خالفوا. {وَعَصَيْتُم}: أمر الرسول وخالفتموه. {مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ}: من النصر (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) سورة الصف (13). {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا}: الغنائم، تمَّ هذا بعد أن نصرهم تعالى النصر الأول بأحد. لما رأى الرماة ما حلَّ بقريش من وبال. سال لمرأى الغنيمة لعابُهم، فمنهم من قال: "لمَ تقيمون ها هنا من غير شيء وقد هزم الله عدوكم، وهؤلاء إخوانكم ينتهبون معسكرهم فادخلوا واغنموا مع الغانمين". فأجابهم الآخرون: "ألم يقل رسول الله لا تبرحوا مكانكم وإن رأيتمونا نُقتَل فلا تنصرونا". فأجابوا: ولكن رسول الله لم يردْ أن نبقى بعد أن ذلّ الله المشركين، واختلفوا وتنازعوا، فقال لهم أميرهم ألاّ يخالفوا أمر الرسول فعصاه أكثرهم وانطلقوا ولم يبقَ معه إلا نفر قليل لا يكْفون صداً للعدو إن جاء.

    وشُغل هؤلاء العُصاة كما شغل طائفة من المسلمين بالغنيمة. وفي ذلك الحين انتهز الفرصة خالد بن الوليد وكان على فرسان مكة آنذاك، واغتنمها فرصة ودخل من هذه الثغرة، فدار من وراء جيش المسلمين وشدَّ بهم بفرسانه فأجلى البقية القليلة من الرماة من مكانهم ولم يفطن المسلمون لغدرته "والحرب خدعة" لأنهم شُغلوا عنه بهذه الغنائم، عندها دارت الدائرة على المسلمين "ممن أرادوا الدنيا" فأثخن فيهم ضرباً وتقتيلاً. {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ}: أي جعلكم لا تقاتلونهم فتهزموهم، فالأمر بيد الله فهؤلاء الذين يريدون الآخرة لو مالوا على قريش ومن معها ميلة واحدة لما أبقوهم، ولكن الله أراد أمراً فصرف المؤمنين عن قتال قريش بعد أن كانوا ظاهرين عليهم ظافرين، ولكن كيف تمَّ صرفهم؟!

    لقد سمعوا أن سيدنا محمداً قُتل فذهلوا عن القتال وتوقفوا إثر سماعهم هذا النبأ الصاعق الذي ثبَّت الهزيمة في منتصف المعركة.

    فلقد كان رسول الله لهم نور العيون وضياءها وروح القلوب وصفاءها، سراجهم المنير، فهو أحب إليهم من كل شيء حتى من أنفسهم، رأوه حقيقة صفوة الله من خلقه وخيرتَه من عباده، به تنكشف الغمَّات و الظُلَم، معدناً لكل خير والنعمة الكبرى لمغتنم.

    نعم به صلى الله عليه وسلم طابت حياتهم وسريرتهم، جاءهم بالآيات فأخرجهم من الظلمات إلى النور، وغدوا ذووا بصائر، حكماء، علماء به صلى الله عليه وسلم كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، رأوا كل ذلك ّّّوالنوال به صلى الله عليه وسلم فعندما سمعوا "أن محمداً قُتل"!

    ذهلت قلوبهم وطاشت أفكارهم فضاعوا عن الموقف القتالي وانصرفوا متنحين عن المشاركة الجديدة في هذه الساعة، وكان من الهزيمة ما كان وهم منصعقون لا يقاتلون، لذا خاطبهم تعالى معاتباً: هل تعبدون محمداً أم تعبدونني؟ {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}: أفإن مات أو قُتل كما سمعتم وصدَّقتم تركتم الجهاد والقتال! فلماذا خفتم وما تقدّمتم، بل تأخرتم. {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ}: الشهادة في سبيل الله. {مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ}: كنتم تتمنون الجهاد، فلماذا خفتم وما تقدمتم بل تأخرتم. {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}.

    إذن السبب كما ذكرنا:

    لما سمعوا أنه صلى الله عليه وسلم قُتل طاش صوابهم وذهلوا فغابوا عن الوجود، فانكفُّوا عن القتال وتوقفوا مصعوقين بهذا الخبر الكاذب. ولكن: {وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}: بهذا الانكسار فضل كبير، نقَّى لهم نفوسهم وطهَّرها.

    فهذا الانكسار يوم أحد وفي منتصف المعركة "والحرب كرٌّ وفر" خير عظيم بحق المؤمنين، فقد طهَّرهم تعالى بهذه الشدة ليدخلوا الجنة ونقّاهم. {لِيَبْتَلِيَكُمْ}: ليخرج حب الدنيا من قلوبكم، ليطهَّركم، ولما انكسروا وصار ما صار رجعوا إلى الله. {وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ}: ما علق بنفوسكم، فهذا البلاء للتطهير.

    {وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}: حيث أن المؤمن يصبر لما أصابه ويلتجئ إلى الله فيطهَّره وينقيه فيعلم أن ما أصابه تنقية لنفسه ويحمد الله على كل حال.

    ولعلك تسأل: أين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أولم يره الصحابة الكرام رضوان الله عليهم؟

    فيجيبنا تعالى بقوله يصف لنا كيف تبلبل الجمع وتمزق الشمل: {إِذْ تُصْعِدُونَ}: صعدَ بعض المسلمون يومها الجبل وهربوا. {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ}: ثابتاً صلى الله عليه وسلم لا يتزحزح، يقف منفردا وقريش بالمئات يدوي بصوته الرباني بلا خوف و لا وجل، وكان كبار الصحابة قبلها منصرفين عن القتال، اعتراهم الجمود والذهول لسماعهم "أن محمداً قُتل" ولم يجرؤ على الاقتراب منهم أحد لهيبتهم. لقد كان صلى الله عليه وسلم قبلها في عمق صفوف العدو، فهذا سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول: والله لئن مات أو قتل حبيبي لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، فلا نجَّاني الله من بعده.

    فيقتحم غمار المعركة ويدكُّ صفوف الكفرة ويتقدم فيجد فارساً من المسلمين قد سبقه إلى قلب العدو. لقد أُسقط في يده، أبعد هذا الاستبسال بطلب الشهادة، هل من أحدٍ يسبقني أحبَّ إليه الموت مني؟! يرى فيخوض لجّة الموت حتى سابقه وإذ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمق العدو يقاتل أيّما قتال بقوة وعزيمة وثبات. ويقول عليٌ كرّم الله وجهه: "كنا إذا اشتد الوغى وحمي وطيس القتال احتمينا برسول الله صلى الله عليه وسلم والشجاع منا من يوازي بصهوة حصانه بغلته الشريفة". فكما أن رسولنا صلى الله عليه وسلم إمام رسل الرحمة، فهو كذلك فارس فرسان الملحمة.

    وهكذا فلقد غاب صلى الله عليه وسلم عن الأنظار إذ كان في قلب العدو حتى ظنوا أنه قُتل وعاد يتحداهم وجهاً لوجه ويثبتْ صدقه برسالته وأنه لن يترك هذا الأمر "حتى يظهره الله أو يهلك دونه" فإما الشهادة أو النصر.

    وقد ُسئل البراء بن مالك رضي الله عنه: أفررتم يوم أحد؟! فأجاب: ولكن رسول الله لم يفر. وقال آخر والله إني رأيت رسول الله يتوسط جمع قريش والنبل تأتيه من كل مكان وكل ذلك يُصرف عنه. وهذه شهادة الله به صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ}: ثابتاً لا يتزحزح وقد كتب جلّ شأنه من قبل: {لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} سورة المجادلة (21).

    {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ} سورة الصافات(172).

    يسّلطهم على من يشاء، ولا يستطيع أحد أن يتسلط عليهم، وقد خاب كل جبار عنيد. وقوله تعالى: {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}: يبطل كل ما قيل عنه صلى الله عليه وسلم من أنه شُجَّ وجهه أو كُسرت رباعيته أو كُلمت شفته أو دخلت حلقتان من المغفر الذي يستر به وجهه في وجنته، أو أنه وقع في حفرة حُفرت ليقع بها المسلمون... إلخ. كل ذلك لا أصل له، إنما هي دسوس ممن أوغرت قلوبهم نصرة الإسلام، علهم بذلك يضعوا من قيمة الإسلام و المسلمين زوراً، ولكن ماذا يؤثّر جحر الضبّ في الجبل! فاللهّّ غالب على أمره ويأبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

    وبعد أن بين تعالى موقف من أراد الدنيا ومن أراد الآخرة كما بيّن تعالى موقف الرسول وثباته صلى الله عليه وسلم، بيّن لنا تعالى أيضاً نتائج المرحلة الثانية بين صفوف المسلمين فقال جلّ علا: {فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ}: الخذلان والهزيمة وفقدان المال وذهاب الغنيمة وعدم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن هذا القهر الذي حصل لهم حتى ينسوا ما جرى معهم: {ِكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ}: من النصر. {وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ}: بسبب مخالفتكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من تقتيل وتجريح. فهذا القهر حتى تلتجؤوا إلى الله وترجعوا إليه حيث صار لهم معرفة بالله فعرفتم سبب ما أصابكم، عرفتم ذنبكم. وهكذا إذا الإنسان في قلبه شيء يشدد الله عليه ليلتجئ فتطهر نفسه بالله. {وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}: بعملكم الذي تعملونه، كل مرة تخسرون إن كانت نيتكم الدنيا، "أخذ الغنائم" بعض الصحابة الكرام عرفوا سبب المصيبة فتراجعوا فعاد الله عليهم بالاطمئنان. {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً}: فالخائف والجائع و البردان، هؤلاء لا ينامون لكن المؤمن الطاهر نام. {يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ}: الذين أقبلوا على الله وآمنوا بلا إله إلا الله رجعوا إلى الله فناموا، فالإنسان إن رجع إلى الله يطمئنه.

    وهناك طائفة {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ}: ضعفاء الإيمان أهل شك وريب ما ناموا من خوفهم لعدم معرفتهم بالله. {يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ}: هؤلاء المؤمنون اعتقاداً يقولون هل لله فعل في شيء من هذا؟ هل الأمر بيد الله؟ فها هو رسوله معنا وهزمنا!

    فأجابهم تعالى: {قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}: ولكنهم: {يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ}: للرسول صلى الله عليه وسلم خوفاً منه لا يظهرون ما في أنفسهم. {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا}: يقولون لو كان لله الأمر ما قُتلنا هاهنا "لو لم نخرج ما أصابنا ما أصابنا".

    فأجابهم تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ}: لبعث الله القتلة إلى مضاجع المقتولين فقتلوهم {وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ}: يبعث لكم الأمراض لتلتجئوا إليه لينقي قلوبكم لأنه خلقكم للسعادة. فالولد العاقل إذا ضربه أبوه يشكره عندما يكبر لأنه يعرف فضله. {وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ}: ينقيها فلا يبقى شيء من حب الدنيا.

    كذلك المؤمن إذا فكر رأى الابتلاء من الله، كله فضل ونعمة وإحسان. {َاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور}: يسوق لكل نفس ما يناسبها من علاج وغيره لتطهر فتقبل وتدخل الجنة.

    كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ}: الهرب {يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ}: جرّهم. {الشَّيْطَانُ}: وراء الغنيمة بسبب ما استقر بنفوسهم من حب الدنيا فدنا منهم، من حبهم للدنيا دنا منهم الشيطان، لو لم يكن بنفسهم شيء من الدنيا لما دنا الشيطان منهم. فإن أصبح قلبك طاهراً فلن يدنو الشيطان منك، لكن إن أعرضت ظهرت روائح قلبك فجاءك، الشيطان يشم نفسك إن وجد مكروباً فيها دنا منك. {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ}: كسبوا حب الدنيا فخوفهم الشيطان وهرَّبهم. {وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ}: الآن بهذه الشدة تابوا التجئوا إلى الله ورجعوا عن ميلهم للدنيا فشفيت أنفسهم {إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}: هذا الشيء مستقر بنفوسهم من القديم، جازاهم اليوم عليه وطهّرهم.

    فسبحانه وتعالى شافي حليم لكن شيئا فشيئاً، كل فعله يُحمد عليه، المؤمن يحمد الله والكافر يحمده.

    رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دوماً حزيناً على الخلق: فمن أين جاءه هذا الحنان؟. ألا إنه شطر من عطاء رحمة الله تعالى قد ناله منه تعالى فصار شفوقاً رحيما ً{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ}.

    هذا نموذج للمقبل على الله، فكيف يا ترى حنان الله؟. رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتق من حنان الله وصار ليناً لطيفاً حريصاً على هدايتهم، فكيف الأصل صاحب الرحمة رحمة الرسول مع عظمتها الكبرى تجاه حنان الله لا تذكر. {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}: لكن إقبالك على الله وقربك منه جعل في نفسك عطفاً ورحمة. لولا هذا الحنان ما اجتمعوا حولك. {فَاعْفُ عَنْهُمْ}: من نفسك عن الذين تراجعوا و لا تفاتحهم بعملهم. {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ}: ادخل بهم عليَّ: يجب أن تحصل الرابطة بين المرشد والمريد. {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}: حتى تطيب نفوسهم ومراضاة لهم، فنفوسهم خجلى من عملها، بهذه المعاملة تنجلي قلوبهم من الخجل ويعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم راضٍ عنهم ولا يعود عندهم أدنى خجل.

    ثم توجه تعالى بالخطاب لهؤلاء المسلمين الذين أغضوا خجلاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}: أي لا تظنوا أن بقلبه صلى الله عليه وسلم حقداً عليكم بسبب فراركم، فهو يعلم أن الفعل بيده تعالى وهو يعلم أن في نفوسكم شيئاً فجازاكم الله عليه لتلتجئوا إليه فتطهر نفوسكم وتتنقّى قلوبكم من حب الدنيا وتصبحوا إنسانيين أهلاًُ للجنان.

    فرسول الله يحزن عليكم ويطلب لكم الشفاء والآن قد تحقق لكم.

    النبي رأى الحق، شاهد الحق لا يقول فلان قابلني بكذا. أنت تقول فلان وفلان. الحقيقة أنه ما أحد فعل معك شيئاً، أنت فعلت فرجع عليك.

    فكبار الصحابة تعلّموا درساً لن ينسوه أبداً، أن يعبدوا الله وحده ولو انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم سيتابعون المسير قُدماً لنقل رسالة الإسلام إلى العالمين قاطبة.

    وفعلاًُ هذا ما قاموا به بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الحياة إلى الرفيق الأعلى، إذ اكتسحوا الدنيا وهدوا الأمم.

    ضعاف الإيمان الذين أرادوا الغنائم خرج حب الدنيا من نفوسهم بهذه الشدة فتابوا إلى الله وشفيت نفوسهم وصاروا أهلاً للرقي والسمو.

    فكانت هذه الشدة ترقية لهم جميعاً من درجة لأعلى وتزكية لنفوسهم.

    والآن بعد أن استوت مركبة المسلمين على الجودي "أي على أجود ما يمكن" فالكل بالتجاء إلى الله صادقين راجين العفو والغفران، هنالك المرحلة الثالثة، وهي الحقيقة التي غابت عن أذهان كثير من الناس، ونصف الكلام لا جواب له، ضعاف النفوس الانهزاميين توقّفوا عند المرحلة القتالية الثانية لموقعة أحد دون أن يُتمّوا قصّ الواقعة فأوهموا الناس بمذلّة الصحابة والرسول الكريم زوراً وبهتاناً، إذ المرحلة الثالثة هي الحاسمة وفيها النصر المؤزّر ومذّلة كفرة قريش لا الرسول الكريم.

    كيف تُّّّفهم قصة توقّف راويها عند منتصفها!

    ألا فلنتمَّ سرد واقعة أُحد التي كانت مثل وقعة بدر وقعة نصر كبرى أتمّ الله عليكم وعلينا تبيان وجه الحقيقة المجرّدة عن كل زيف وخداع رغماً عن الداسّين من الإسرائيليات وغيرها، ورحم الله البوصيري (رحمه الله) إذ قال:

    وسَلْ حنيناً وسَلْ بدراً وسَلْ أُحُداً

    فصولَ حتفٍ لهم أدهى من الوخمِ
    همُ الجبالُ فسَلْ عنهم مصادِمَهُم

    مـاذا رأى منهم في كـلِّ مـصطدمِ
    ومــن تــكنْ بـرســولِ الله نـصرتــُه

    إنْ تلْقَـــهُ الأُسـدُ في آجامِهَا تجمِ
    ولــنْ تــرى مــن ولي غير منتصــرٍ

    بـــهِ ولا مـن عـــدوٍ غيـر منقصــم

    أقول: بعد أن حصلت التوبة لدى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنابوا إلى الله معترفين بتقصيرهم حين خالف البعض منهم رسول الله ومالوا للغنائم. كذلك كان درساً بالغاً للأقوياء من الصحابة حين ضاع صوابهم وزلزلوا زلزالاً شديداً حين سمعوا أن رسول الله قُتل، فرقَّاهم الله بهذا الخطب العظيم واجتازوا بتلك الشدة الرهيبة مرحلة جديدة أسمى وأعلى مما كانوا عليها، فغدا الجميع على حال عظيم من التوبة والالتجاء لله جلّ وعلا. هنالك أمرهم رسول الله باللحاق بالعدو بأمرٍ منه تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله}: إذا رأيت الحقَّ سِرْ به. {إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}: الخاضعين للحق المستعينين به تعالى.

    ومن ثم توجه بالخطاب إلى جمع المسلمين. {إِنْ يَنْصُرْكُمُ الله}: إذا كنتم طاهرين نظيفي القلوب. {فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ}: فالنصر بيده وحده. {وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ}: بسبب ما في نفوسكم. {فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ}: هل يوجد فعال سواه؟. كل الكون يسيِّره وتركك سدى وحدك؟. هل غير الله من أحد ينصركم! "ظالم لا تكن من الدعاء لا تخف" طهِّر قلبك والله ينصرك، الخذلان منك والنصر منه تعالى. {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}: بسيرهم بطريق الحق يطلبون العون من الله فيسيِّرهم. بلحاقهم بالعدو استجابة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، هؤلاء {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ}: قالوا: والله يا رسول لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى صلى الله عليه وسلم: {اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا} ولكن نقول: اذهب فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وشمالك مقاتلون.

    استجابوا هذه الاستجابة من بعد ما أصابهم القرح في المرحلة الثانية من المعركة ذلك الجرح النفسي الرهيب الذي استقام حالهم من بعده فاستجابوا. {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}: هؤلاء الذين شوَّقوا الآخرين للحاق بالعدو وشجَّعوهم وخرجوا مع رسول الله فلهم مغفرة وأجر عظيم "هذا كان يوم حمراء الأسد" في اليوم الثاني من أُحد.

    ذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كرُّوا راجعين إلى بلادهم فلما استمروا ندموا لِمَ لمْ يتمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة. وقد أجمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا لو أصبنا محمداً وأصحابه وقادتهم وأشرافهم ولم نصبهم، هل نرجع قبل أن نستأصلهم؟ لنكرَّن على بقيتهم ثم لنَفْرُغَنَّ منهم.

    وقد تبعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يطلبون الظفر عليهم والكرة الحاسمة فالأمور بخواتيمها، ولننظر شهادة من رآهم من المشركين دون قريش.

    لما رأى أبو سفيان معبداً "وكان مشركاً من خزاعة" قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد وأصحابه يطلبكم في جمع لم أرَ مثله، يتحرقون عليكم تحرّقاً، قد اجتمع معه من كان تخّلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا، فهم من الحنق عليكم بشيء لم أرَ مثله قط، قال: ويلك ما تقوله؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوعزة هُبل لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال معبد: إني أنهاك عن ذلك، لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتاً من الشعر، قال أبو سفيان: وما قلت؟ قال:
    كادت تُهَدُّ من الأصوات راحلتي

    إذ سالت الأرض بالجُرد(1) الأبابيلِ(2)
    تـروي بأسدٍ كرامٍ لا تنابلةٍ عند

    اللقـــــــاء لا مِيــــــــلٍ(3) معـازيــــــلِ
    فظلت أعدو أظن الأرض مائـلـةً

    لــمــــا ســــموا برئيس غيــر مخذولِ
    فقلت ويل ابن حرب من لقائكم

    إذا تغطغطت(4) البطحـــــاء بالخـيــــل
    إنـــي نــذيــــر لأهـــل الســـيل

    ضـاحيـةً لكــل ذي إربــة منهم ومعقولِ
    من جيش أحمد لا وخش تنابلة

    وليـــس يـوصــف مـــا أنــــذرت بالقيـــلِ

    (1) الجرد: الترس.

    (2) الأبابيل: الجماعات الكثيرة.

    (3) لا ميل : لا يزولون عن استوائهم.

    (4) تغطغطت: تبددت.

    فثنى ذلك أبو سفيان ومن معه ودبّ الرعب في صفوفهم فراح أبو سفيان يبعث الأخبار ويذيع بأنه جمع جموعاً كثيرة علَّه يخوِّف المؤمنين بكثرة العدو وأنه جاء ليستأصلهم عن بكرة أبيهم، فبعث مع ركبٍ من عبد القيس يقصدون المدينة طلباً للميرة أن يبلِّغوا محمداً أنه قد أجمع السير إليه وإلى أصحابه ليستأصل بقيتهم.

    ولكن ما كان من هؤلاء المؤمنين {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً}: هؤلاء طهرت نفوسهم بما أصابهم يوم أحد فتابوا ورجعوا فصارت قلوبهم قوية بإيمانهم فما خافوا لأنهم يعلمون أن الله حتماً ناصرهم لأن غايتهم أصبحت لمرضاة الله ونيتهم طيبة يبتغون رد الناس للحق. فالآن لحقوا بهم لا لغاية إلاَّ ردَّهم إلى الحق ليصبحوا من أهل السعادة من أهل الجنة لذلك لا بد أن الله ناصرهم: هذا هو الجهاد. {وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}: حسبنا الله: هو المحاسب عنا. ونِعْمَ الوكيل: إذ قال أبو سفيان: لولا أن معهم قوة كبيرة لما لحقوا بنا ففرَّ، وعاد الرسول صلى الله عليه وسلم بإشعال النار طيلة الليل لمدة ثلاث ليالٍ متتابعة، يدعو قريش للقتال، يدلُُّهم على عزمه وأنه ينتظر رجعتهم. ولكن قريشاً جبّنت وهربت مفضوحة مخذولة أمام القبائل العربية، طوال الطريق من المدينة إلى مكة والعرب تشهد فرارهم وهزيمتهم، وهكذا انقلبت هزيمة المسلمين لنصر عظيم.

    إذن: غزوة أحد كانت نصراً مؤزّراً وصار في أثنائها درس بالغ لمن خالف وصية الرسول صلى الله عليه وسلم ولمن مال إلى الغنائم فأصابهم القرح لكنهم ما استكانوا وما جبّنوا بل جمعهم صلى الله عليه وسلم وانطلق بهم كالصواعق تنهب الأرض نهباً، يلحقون بالمشركين الذين ما تجرأوا على العودة للحرب، فهربوا جميعاً ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم للقتال بحمراء الأسد، ففروا جميعاً وكانت خسارتهم المعنوية فادحة في هذه المعركة إذ فقدوا هيبتهم عند العرب، وذُلّوا أيُّما إذلال، دون أدنى قتال فالمعركة دوماً كرٌّ وفرٌ، وكما يقال بالمثل العامي "الآخرة يا فاخرة" فالأمور بنتائجها وخواتيمها.

    فكانت نهايتها نصراً كاملاً للمؤمنين: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ الله وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ}: حيث أنهم خرجوا من الحرب وقد كفاهم الله شر القتال بأن دبَّ تعالى الرعب بقلب الكفار وأخزاهم ففر المشركون، وعاد المسلمون موفوروا العزة والكرامة تكلّلهم هالة الهيبة والوقار، وعادت لهم قوتهم ومنعتهم دون حرب، ولكن كسبوا رضاء الله.

    {وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ الله}: فإن صار قتال خير، وهزيمة خير. {وَالله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}: هو الناظر، الفعّال يسوق المناسب وقد شفى المؤمنين ونصرهم، وأعاد لهم هيبتهم وعزَّهم. قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} سورة المنافقون (Cool.

    لقد أشاد القرآن الكريم بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعتهم بأفخم النعوت والصفات وشهد لهم بالإيمان الكامل، أحبّهم الله وهو راض عنهم وأحبّوه سبحانه فأيدهم الله بنصره على أعدائهم إذ كانوا أشداء على الكفار أعزة، أذلة فيما بينهم رحماء يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، رضي الله عنهم ورضوا عنه، أولئك حزب الله وأولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى. {وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} سورة المائدة (56).

    إذن: ما كانت وقعة أحدٍ للمسلمين هزيمةً أو انكساراً، بل كانت نصراً مؤزّراً ومجداً مظفَّراً.

    ولو أن حرفاً صحيحاً بالذي كتبوا لما رأيت حصون الكفر تنهدم

    فعلى هاماتهم رضوان الله عليهم قامت دعوة الإسلام، وبجهادهم أسسَّوا مملكة لا تغرب عنه الشمس، بهم أظهر الله دينه الحق على الدين كله وأعلى كلمة الحق وأزهق روح الضلال.

    ومن تكن برسول الله نصرته إن تلقه الأسد في آجامها تجم

    ولن ترى من ولي غير منتصر به ولا من عدوٍ غيرمنقصم

    وهذا وعد الله لهم {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}: الرافلين بأعطياته القدسية ارتباطاً وصلاة برسوله صلى الله عليه وسلم.

    أَلْحَقَنا المولى الكريم جميعاً بهم... آمين.

    الخلاصة:

    الحقيقة أن وقعة أحد حدثت على ثلاث مراحل:

    المرحلة الأولى: نصر مؤزَّر للمسلمين {إذْ تَحُسُّونَهُمْ بإذْنِه}. ثم: {حَتَّى إذَا فَشلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ}.

    المرحلة الثانية: توقف عن القتال، من قِبَل كبار الصحابة الكرام الذين يريدون الآخرة لسماعهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل، وفِرار الذين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين مالوا لبعض ما كسبوا ثم تابوا. قال تعالى: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} أي: جعلكم لا تهاجموهم وتهزموهم مباشرة. فالصحابة هم الأقوى، إذ لم يقل تعالى: (صرفهم عنكم). ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}. بعدها المرحلة الثالثة، بعد توبة الفارِّين.

    المرحلة الثالثة: نهاية المعركة بنصر مؤزَّر للمسلمين بحمراء الأسد، بسبب فرار قريش وعلى رأسهم أبي سفيان وفضيحتهم عند العرب، وهربوا إلى مكة مئات الأميال والعرب تشهد فرارهم، والرسول صلى الله عليه وسلم ينتظرهم ثابتاً للقتال وهم فارُّون مفضوحون بهزيمتهم... فانقلبت الهزيمة لنصر مؤزَّر للمسلمين، والأمور بخواتيمها. فغزوة أحد كانت نصراً عظيماً، وصار في أثنائها درس بالغٌ لمن خالف وصية الرسول صلى الله عليه وسلم ولمن مال إلى الغنائم، فأصابهم القرح، لكنهم ما استكانوا وما جبنوا، بل جمعهم صلى الله عليه وسلم وانطلق بهم صواعق يلحقون بالمشركين الذين ما تجرأوا على العودة للحرب، فهربوا جميعاً ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم للقتال بحمراء الأسد. ففرُّوا فكانت خسارتهم فادحة المذلة في هذه المعركة.

    فمعركة (أحد) مثل (بدر) معركة نصر، إذ انتهت بحمراء الأسد بفرار قريش وأبي سفيان... والأمور بنتائجها وخواتيمها، إذ المعركة دوماً كرٌّ وفر... (والآخرة يا فاخرة) كما يُقال بالمثل العامي. ونهايتها نصر كامل.

    والحمد لله رب العالمين


    center]




    معركة أحد,,هل هي هزيمة أم نصر مؤزر للمسلمين؟ Sigpic190995_28
    صادق صدوق
    صادق صدوق
    مشرف
    مشرف

    ذكر عدد المساهمات : 77
    تاريخ التسجيل : 10/02/2012
    الموقعمنتدى انور ابو البصل الاسلامي
    تعاليق : سبحان الله وبحمده

    سبحان الله العظيم

    default رد: معركة أحد,,هل هي هزيمة أم نصر مؤزر للمسلمين؟

    مُساهمة من طرف صادق صدوق في أكتوبر 25th 2012, 20:49



    جزاك الله خير
    وجعله في موازين حسناتك
    وانارالله دربك بالايمان
    ربي يسعدك ويخليك
    يعطيك العافية
    ماننحرم من جديدك المميز
    امنياتي لك بدوام التألق والابداع
    بحفظ الله ورعايته


    اخوكم انور ابو البصل

      الوقت/التاريخ الآن هو يونيو 25th 2019, 15:12