مسلم وأفتخر




اللهم اجعل أعمالنا صالحة، ولوجهك الكريم خالصة، ولا تجعل للناس منها شيئا ولا للشيطان منها نصيبا وتقبلها ربنا بقبول حسن


    الطفلُ الأوّلُ وأغرارُ التربيةِ

    شاطر

    فارس الاقصى
    :: عضو فضي ::
    :: عضو فضي ::

    عدد المساهمات : 72
    تاريخ التسجيل : 12/04/2012

    default الطفلُ الأوّلُ وأغرارُ التربيةِ

    مُساهمة من طرف فارس الاقصى في سبتمبر 17th 2012, 3:43 pm

    الطفلُ الأوّلُ وأغرارُ التربيةِ
    د. عبد المجيد البيانوني




    للطفل
    الأوّل في جميع الأسر منزلة خاصّة ، ومكانة متميّزة ، وتبعاً لذلك فمن
    المفروض أن يتلقّى تربيةً متميّزة ، ولكنّ الواقع أنّه يتلقّى تربية ليست
    على المستوى المطلوب ، لأنّه يكون حقل تجارب الوالدين المبتدئين ، ومن ثمّ
    فإنّه يتلقّى تربية قاصرة ، تعاني من تشوّهات كثيرة ، فقد تجنح ذات
    اليمين ، فتكون مفرطةً في الشطط ، وترك حبل الطفل على الغارب ، وقد تجنح
    ذات الشمال فتكون موغلةً في الشدّة والضغط ، والمحاصرة للطفل من كلّ جانب ،
    فتكون شخصيّته ضعيفة مضطربة .. وفي كلتا الحالتين ، فإنّ الطفل الأوّل
    الذي يتمتّع بتلك المنزلة الخاصّة عند كلا الوالدين يكون ضحيّة هذا السلوك
    المتطرّف نحو أحد هذين الاتّجاهين ، ويكون مَيدانَ تجارِب ، لمختلف
    الأفكار ، والاتّجاهات ، والنظريّات ..

    وهذه الملاحظة تكاد تكون عامّة أو غالبة ، وكثير من الآباء يشعر بالتقصير
    عندما يتقدّم به العمر ، وتنضج تجربته التربويّة ، ويتذكّر ما كان عليه
    من مواقف ، فيتمنّى لو تهيّأ له من يأخذ بيده ، ويرشده إلى منهج الحقّ في
    التربية ، بما يكفل لأولاده حسن النشأة وسلامتها .. وربّما استغرب مواقفه
    حتّى لم يكد يصدّقها ، وقد كان قبلاً شديد الحماسة لها ، والتمسّك بها ..

    فالزوجان يصبحان مع إطلالة الطفل الأوّل أباً وأمّاً ، وهما في هذا الباب
    أغرار مستجدّون ، مهما قرَءوا مِن الكتب ، وتعلّمُوا ودرسوا ، فالخبرةُ
    العَمَليّة قلّما يعيها الإنسانُ ، ويقدِّر أبعادها إلاّ من خلال التجربة
    الذاتِيّة .. وكثير منَ الأفكار البرّاقة التي نَطْربُ لسماعها تكون
    خفيفةَ الوزنِ ، ضعيفة الأثر عندَما توضع على محكَّ التجرِبة والواقع ..
    وربّما زادت الهُوّة ِاتّساعاًَ بينَ الطرَفين عندما يحملُ أحدُهما أو
    كلاهمَا أفكاراً نظريّة برّاقَة ، يظنّها مسلّمات قطعيّة ، يَتحمّس لها ،
    ويخاصم عليها صاحبه ، ولا يتقبّل أيّ حوار حولها ..

    وهذه الملاحظات بما يتّصل بها من نتائج وآثار تدلّ على أنّ أكثر
    المُقدِمين على تحمّل مسئوليّة التربية ينقصهم العلم الضروريّ ، والتجربة
    المُرشِدة ، كما ينقصهم التأهيل بدورات توعية تربويّة ، تضعهم على الطريق
    الصحيح في التربية ، وهم بحاجةٍ ماسّة إلى ذلك كيلا يكرّروا أخطاء من قبلهم
    ، ولا يبدءوا من نقطة الصفر دائماً ..

    وإنّ ممّا لاشكّ فيه أنّ من أهمّ ميّزات الحياة الاجتماعيّة أنّ الأبناء
    يتعلّمون من تجارِب الآباء ، وأنّ التواصل بين الأجيال يعني نموّ الخبرات ،
    وتطوّر الوسائل ، وتجدّد الأساليب ، وما لم يعِ الجيل الناشئ تلك الحقيقة
    فإنّه سيظلُّ يرى في نفسه الاستغناء بعلمه وذكائه وقدراته ، عن الاستعانة
    بعلم الآخرين ، وخبرتهم في الحياة وتجاربهم ، وسيظلُّ يقفُ عندَ بعض
    معلوماتِه التربويّةِ المتواضعةِ وقفة الإصْرار ، التي تقفُ سدّاً مَنيعاً
    دونَ تقبّلِ أيّ فكرةٍ أخرى أو حوارٍ وهنا مكمن الخطر والداء ..

    وهنا أجدُني بحاجة إلى أنْ أقدّمَ لأغرار التربيةِ ثلاث نصائحَ مهِمّة :
    الأولى : لابدّ لَهم مِن البحث عنِ الخبرة التربويّة والسعي إليها ، إذ
    الخبرة التربويّة الموثّقة تمنحهم سنوات من العمر ، وتختصر لهم مراحل من
    التربية .

    والثانية : لابدّ لَهم مِن القراءة التربويّة الهادفة ، التي تبنِي شخصيّتهم ، وتصحّحُ معلوماتهمْ .

    وَأخيراً : لابدّ لَهم مِن الحوارِ البنّاء فيما بينهم ، وليختلفوا في
    الرأي مَا شاءوا ، ولْيَتَحمّسوا لمواقفهم كما أرادُوا ، ولكنْ دونَ تعصّب
    وانغلاق ، وستعلّمهمْ مدرسة الحوار البنّاء دروساً مُمتعة ، لا تنسى مدى
    الحياة .

      الوقت/التاريخ الآن هو يناير 16th 2018, 11:59 pm